Project Description

 

محمد ناجي

الرسام المصري اهتم بهوية المكان، وكان ذلك الاهتمام النافذة التي أطل من خلالها على الطقوس والعادات والتقاليد الشعبية في كل مكان يذهب إليه.لندن – من بين كل المحترفات الفنية العربية يتميز المحترف الفني المصري بخصوصية ارتباطه بالشخصية وبالبيئة والتقاليد والطقوس والعادات الشعبية المحلية. وهي خصوصية تعود إلى بدايات الرسم بمفهومه الأوروبي في مصر. ومن المؤكد أن فنانا بحجم محمد ناجي كان واحدا من أهم رواد تلك النزعة التي لا تزال تشد الرسم المصري الحديث إلى مصريته.مسكونا بالجغرافيا والتاريخ معا صنع محمد ناجي مغامرته الفنية من مواد جاهزة، غير أنها لا تصلح للاستعمال الفني إلا إذا مرت بخيال يسمو بها إلى هواءالحكاية. حينها تبدأ الأشياء تثرثر بطريقة شفافة، تكشف عن تماهيها مع حواس الفنان وخبرته والمعاني التي يرغب في استخراجها.كانت رحلته الإثيوبية ذهابا إلى منابع النيل محاولة لاكتشاف قوة الجغرافيا. في المقابل فإن استلهامه للرسم الحائطي لدى قدماء المصريين كان محاولة لاكتشاف قوة التاريخ.بين قوسي الجغرافيا والتاريخ تقع رسوم ناجي وهي تحيطنا علما بطرق ووسائل العيش التي اخترعها المصريون وكانت سببا في استمرارهم في البقاء، شعبا صبورا وضاحكا وحيويا في بلاغة صوره التي يستنبطها من لغة حية تتجدد مع الزمن.لقد رسم ابن الإسكندرية كل شيء في حياة المصريين. وبسبب غزارة نتاجه الفني فإن ما تركه يعدّ وثائق بصرية، تمكن العودة إليها للتعرف على طبيعة الحياة في مصر وبالأخص الريف عبر العقود الأولى من القرن العشرين كان ناجي يرسم ليروي. الحكاية كانت خيطه السحري الذي يخترق عالمه ليصل بين لوحاته. ما فعله قبل تعلم الرسم وما فعله بعد أن تعلم الرسم أكاديميا.ولد محمد موسى ناجي بحي محرم بك بالإسكندرية عام 1888. في سن مبكرة تعلم الموسيقى فكان عازفا للكمان والعود. في الوقت نفسه بدأ بتعلم الرسم في مرسم الرسام الايطالي بياتولي.عام 1906 سافر إلى ليون بفرنسا ليدرس القانون. حين حصل على شهادته الجامعية عام 1910 التحق بأكاديمية الفنون بفلورنسا الايطالية ليدرس الرسم هناك لمدة أربع سنوات.ما إن عاد إلى مصر حتى سافر إلى الأقصر جنوبا ليؤسس مرسمه هناك.عام 1918 سافر إلى فرنسا ليلتقي خصيصا الفنان الانطباعي كلود مونيه (1840-1926) في قريته التي خلدها بعشرات من لوحاته الكبيرة عن زهور الماء وتعلم منه الكثير. بعد مونيه وبسببه شغف ناجي برسوم فنسنت فان غوخ وصديقه بول غوغان اللذين تركا أعظم الأثر على أسلوبه الفني.عُين ناجي في السلك الدبلوماسي ملحقا بسفارتي مصر بفرنسا والبرازيل بدءا من عام 1924. عام 1927 حصل الفنان على قلادة الشرف الفرنسية. استقال من عمله الدبلوماسي عام 1930 ليتفرغ للفن.في الوقت الذي أسس فيه أتيليه الإسكندرية أقام ناجي معرضا شخصيا بلندن عام 1934 وكان بعنوان “مصر والحبشة” ضم لوحاته التي رسمها من وحي سفره إلى منابع النيل عام 1931. التقى هناك إمبراطور الحبشة هيلاسيلاسي ورسم صورة شخصية له.بسبب ريادته ومكانته المتميزة في تاريخ الفن المصري الحديث فقد كان ناجي أول مدير مصري لمدرسة الفنون الجميلة (1934) وأول مدير لمتحف الفن الحديث (1939) وأول مدير لأكاديمية الفنون بروما (1947).عام 1950 عاد إلى مصر من إيطاليا ليبدأ بتأسيس أتيليه القاهرة الذي أنتخب أول رئيس له (1953). سافر عام 1955 إلى قبرص في مهمة، يبدو عليها طابع التكليف الرسمي، ذلك لأنه قام برسم صورة للأسقف مكاريوس الذي كان يقود ثورة تحررية ضد المحتل الإنكليزي. غير أنه عاد بعد شهور ليقيم في قرية القرنة بالأقصر.قضى أيامه الأخيرة متنقلا بين الإسكندرية والقاهرة ووافته المنية في مرسمه القاهري عام 1956. عاش محمد ناجي حياته سعيدا، إنسانا ورساما.اهتم ناجي بهوية المكان، وكان ذلك الاهتمام النافذة التي أطل من خلالها على الطقوس والعادات والتقاليد الشعبية في كل مكان يذهب إليه.قادته علاقة الإنسان بالمحيط إلى اكتشاف العنصر الحركي الذي يهب تلك العلاقة طابعها الحيوي الذي يشكل مصدر إثارة للحواس فكان أن قاده تأمّله العميق في ما تجلبه الحركة من بهجة إلى ممارسة الرسم السريع، وبالأخص في مجال الوجوه الفنية التي كان يرسمها بعفوية وجرأة، كما لو أنه كان قد تعرّف على ملامحها من قبل. كان ناجي واحدا من أكبر رسامي الوجوه في مصر.اتخذ ناجي من الفن الشعبي واحدا من أهم مصادره، فكان أحيانا يقترب من الفن البدائي من جهة استرساله في الخروج على القواعد المدرسية، بغية أن يكون صادقا في تعبيره.وهنا بالضبط تكمن أهمية رسومه التي صارت في ما بعد مرجعية لمدرسة مصرية في الرسم الحديث. كل شيء في تلك الرسوم يذكر بالرسوم الشعبية التي كانت شائعة في ذلك الزمان، غير أن الرسام قدم تجربته بلغة حديثة، كان قد اكتسبها من خبرته بالفن الأوروبي. لم يكن رساما واقعيا إلا في حدود المضامين التي كان يطرحها. وهي مضامين مصرية خالصة، مستلهمة من حياة الفلاحين اليومية.لقد أسس ناجي لعقدة الألوان المحلية. وهي عقدة لا تزال حتى هذه اللحظة تقف بين الرسامين المصريين واستعمال ألوان مختلفة خشية أن يفقدوا هويتهم. بالتأكيد هناك استثناءات. غير أن تلك الاستثناءات لا تلغي القاعدة التي تمّ تكريسها ثقافيا ونفسيا واجتماعياتأثير ناجي في الرسم المصري الحديث يمتد منذ ثلاثينات القرن الماضي وحتى اليوم. كانت خبرته بالنيل وبما يحيط به من حياة هي سر ذلك الالتزام الجمعي بتجربته. الرسام الذي عبث بقواعد اللوحة التقليدية كان قد أرسى قواعد لا تزال متبعة حتى اليوم.ليس من المبالغة في شيء القول إن محمد ناجي رسم كل شيء رآه، في أسفاره المصرية والعالمية. كانت خزانته البصرية تمتلئ بالصور التي تذكره بالأماكن التي مر بها أو عاش فيها. وهو ما شجعه إلى أن يملأ لوحاته بكل ما رآه. لديه دائما ما يضعه على سطح اللوحة، وهو ما جعله لا يميل إلى ترك جزء من ذلك السطح فارغا.كانت هذياناته البصرية سلسلة من الشخوص والأشياء التي لا تكفّ عن الظهور. لم يكن المنظور ولا النسب يهمانه وهو ينفتح بنهم على خزانته البصرية التي كانت كريمة معه. لم ينج من تلك الهذيانات البصرية سوى الفضاء حين يتعلق الموضوع برسم الطبيعة.كان ناجي يؤلف لوحاته بطريقة تركيبية، تسمح له باستعمال ما تسمح له المساحة المتاحة في استعماله من صور تكدّست في ذاكرته وهو الذي رسم كل شيء. لذلك كانت كل لوحة يرسمها أشبه باحتفال تعقد فيه الألوان المختلفة صلحا مع حركة الناس التي تعبر عن حياتهم. لقد رسم محمد ناجي بشرا سعداء، لأنه كان الرسام الأكثر سعادة في تاريخ الرسم المصري الحديث.

هذيانات ناجي البصرية

الحكايه كانت خليط ناجي السحري الذي يخترق عالمه